الشيخ محمد رشيد رضا
190
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الأصوليين وأثبتوه بمسالك تنقطع فيها أعناق الإبل ، وتسافر فيها الأذهان حتى تبلغ إلى ما ليس بشيء ، وتتغلغل فيها العقول حتى تأتي بما ليس من الشرع في ورد ولا صدر ، ولا من الشريعة السمحة السهلة في قبيل ولا دبير ؟ وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال « تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها » وجاءت نصوص الكتاب العزيز بما قدمنا من اكمال الدين وبما يفيد هذا المعني ويصحح دلالته ويؤيد براهينه القياس الصحيح « وإذا عرفت ما حررنا ، وتقرر لديك جميع ما قررنا ، فاعلم أن القياس المأخوذ به هو ما وقع النص على علته ، وما قطع فيه بنفي الفارق ، وما كان من باب فحوى الخطاب أو لحن الخطاب على اصطلاح من يسمي ذلك قياسا ، وقد قدمنا انه من مفهوم الموافقة « ثم أعلم ان نفاة القياس لم يقولوا باهدار كل ما يسمى قياسا وان كان منصوصا على علته أو مقطوعا فيه بنفي الفارق بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولا عليه بدليل الأصل مشمولا به مندرجا تحته وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ، ويقرب لديك ما بعدوه ، لان الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظيا ، وهو من حيث المعنى متفق على الاخذ به والعمل عليه . واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا . وقد قدمنا لك أن ما جاؤوا به من الأدلة العقلية لا تقوم الحجة بشيء منها ، ولا تستحق تطويل ذيول البحث بذكرها * وبيان ذلك أن أنهض ما قالوه في ذلك أن النصوص لا تفي بالاحكام فإنها متناهية والحوادث غير متناهية * ويجاب عن هذا بما قدمناه من إخباره عز وجل لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها دينها ، وبما أخبرها رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أنه قد تركها على الواضحة التي ليلها كنهارها * « ثم لا يخفى على ذي لب صحيح وفهم صالح ان في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث ، ويقوم ببيان كل نازلة تنزل ، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله اه ثم قال الشوكاني عند الكلام على النص من مسالك العلة في القياس ما نصه :